ابن سبعين

38

رسائل ابن سبعين

لفقيه إلا إن سلك طريقهم كما هو مشاهد . وكان الشيخ عز الدين قبل ذلك ينكر على القوم ويقول : وهل لنا طريق غير الكتاب والسنة ؟ فلمّا ذاق مذاقهم وقطع سلسلة الجدل بكراسة الورع صار يمدحهم كل المدح ، ولما اجتمع الأولياء والعلماء في وقعة الفرنج بالمنصورة قريبا من ثغر دمياط جلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ مكين الدين الأسمر والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وأضرابهم وقد قرأ بعضهم عليهم رسالة القشيري ، وصار كل واحد يتكلم ، إذ جاء الشيخ أبو الحسن الشاذلي قدّس سرّه فقالوا له : نريد أن تسمعنا من معاني هذا الكلام . فقال : أنتم مشايخ الإسلام ، وكبراء الزمان ، وقد تكلمتم فما بقي لكلام مثلي موضع . فقالوا : لا بدّ من ذلك . فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، وشرع يتكلّم ، فصاح الشيخ عز الدين من داخل الخيمة ، وخرج ينادي بأعلى صوته : هلمّوا إلى هذا الكلام القريب العهد من اللّه تعالى ، رحمة اللّه عليهم أجمعين . وذكر الإمام الغزالي في « الإحياء » عن بعض العارفين أنه كان يقول : من لم يكن له نصيب من علم القوم يخاف عليه من سوء الخاتمة وأدنى نصيب منه التصديق به والتسليم لأهله إذا علمت ذلك . فأقول وباللّه التوفيق مما نسب المنكرون إلى الشيخ محيي الدين والشيخ عمر بن الفارض وغيرهما القول بالحلول والاتّحاد . قال الشيخ عبد الغني الشامي رحمه اللّه تعالى : وحاشاهم من ذلك ؛ بل حاشا أدنى مريد سالك في طريق الصوفية الصّادقين إلى يوم القيامة من خطور ذلك في بالهم ، أو من إمكانه عندهم ، وكيف أمر مستحيل عند المتمسّكين بالعقول من علماء الكلام وغيرهم فما بالك بالذين هم أعلى منهم من المتمسّكين بالإيمان ، والفتح ، والكشف ، والإلهام بعد القيام بحسن المعاملة الشرعية في الظاهر والباطن من غير بدعة مع الإخلاص ، واليقين ، والزهد ، والورع ، وإن أشبهت كلماتهم على غير أهل طريقهم ، وفهم منها علماء الإنكار المنكبّون على الدنيا قبائح المفهومات ، فإن الأعمال بالنيّات ، ولكل امرئ ما نوى ، والمرء عدوّ ما جهله : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم ولعمري : لو يفهم ذلك علماء الظاهر لعذرتهم في أمرهم ؛ فإنهم يعتقدون كما تعتقد العوامّ من أن اللّه تعالى موجود ، وكل مخلوق من مخلوقاته موجود أيضا سبحانه وتعالى ، والوجود عندهم جنس عامّ مشترك بين القديم وبين الحوادث ، وإنما يتميّز القديم عن الحوادث بالقدم في ذاته وصفاته ، وتتميز الحوادث بالحدوث من العدم في ذواتها وصفاتها وفي حال وجودها هي مشاركة للقديم ، تعالى في الوجود العام المطلق وهم يعلمون ماذا